|
الهجرة السكانية وتجارة البشر في الشرق الأوسط *
د . هاشم نعمة
الهجرة في الشرق
الأوسط نادرا ما تحظى
بتغطية الإعلام الغربي . ففي الغرب يرتبط " الشرق
الأوسط" بشكل نموذجي بقضية الصراع
الفلسطيني-الإسرائيلي وجيوبولتيك النفط أو أكثر حداثة
مع الحرب في العراق. المشاكل الأخرى التي تعيشها
المنطقة غالبا ما تهمل أو يجري التعامل معها كجزء من
مشكلة أوسع هي عدم الاستقرار السياسي . واحدة من هذه
المشاكل هي الهجرة. هذا المقال يهدف إلى تبيان أن
هناك اهتماما متزايدا في المنطقة بموضوع الهجرة خصوصا
غير الشرعية منها.
الشرق الأوسط والهجرة
الدولية
يستقطب الشرق
الأوسط أكثر من 10% من مجموع المهاجرين في العالم
وتستضيف الدول الغنية في الخليج العربي أعلى تركز
للعمالة المهاجرة في العالم . وجود المهاجرين الشرعيين
والمهاجرين غير الموثقين واللاجئين ومجموعات خاصة يعطي
للهجرة في المنطقة وجها مختلفا. هجرة العمالة أو (
العمالة المتعاقدة ) تكون نموذجيا ذات طبيعة مؤقتة مع
عدم وجود توقعات باكتساب حقوق الإقامة الدائمة أو
المواطنة بالنسبة للمهاجرين ( خصوصا في الخليج العربي
حيث يمثل المهاجرون من جنوب-شرق آسيا في الغالب ربع
مجموع السكان ) . تقدر المنظمة الدولية للهجرة بتحفظ
بأنه يوجد حاليا 14 مليون مهاجر دولي و 6 مليون لاجئ
في الشرق الأوسط.
تستضيف السعودية
أكبر عدد من السكان الأجانب في المنطقة يقدر بـ 6,2
مليون. أيضا هناك وجود كبير للمهاجرين في بلدين آخرين
من بلدان مجلس التعاون الخليجي هما: الإمارات العربية
حيث يقدر عدد الأجانب بـ 1,7 مليون والكويت 1,3 مليون.
يكون الهنود أكبر
مجموعة من المهاجرين في المنطقة ( 3,2 مليون ) يأتي
بعدهم المصريون ( 1,8 مليون يتركزون بشكل رئيسي في
السعودية وبلدان مجلس التعاون الخليجي الأخرى )
والباكستانيون ( 1,2 مليون ) وهناك مجموعات أخرى تقيم
في المشرق العربي والجزيرة العربية: البنغلاديشيون (
827,00 ) والفلبينيون (849,00 ) والسريلانكيون (
582,00 ) والأردنيون ( 470,00 الغالبية في السعودية
وبلدان المجلس الأخرى ) و اليمنيون ( 463,00 الغالبية
في السعودية ) والإيرانيون ( الغالبية في الإمارات
والكويت وقطر والبحرين ) والعراقيون ( 393,00 الغالبية
في الأردن وسوريا ).
في السنوات الأخيرة
بدأت حكومات بلدان مجلس التعاون الخليجي بتنفيذ سياسات
صارمة في مجال إحلال العمالة الوطنية محل العمالة
الأجنبية خصوصا في القطاع الخاص . حيث فرضت قيودا على
تشغيل العمالة غير الوطنية وحصصا تمثل الحد الأدنى
لتشغيل العمالة الوطنية ورسوما أعلى على تأجير العمالة
غير الوطنية . هذه التطبيقات طالت كلا من المهاجرين
العرب وغير العرب في المنطقة لكن بما أن المهاجرين
العرب يتجهون للعمل في المهن الإدارية والفنية
واليدوية التي يمكن أن يشغلها المواطنون لذا تكون
الأعمال الأكثر خطورة وصعوبة من حصة العمال الآسيويين.
لذلك من المرجح أن يستبدل الباحثون عن العمل من
المواطنين المهاجرين العرب في المستقبل بدل الآسيويين
ومن ثم تقل فرص العمل بالنسبة للمهاجرين العرب في
البلدان المذكورة.
في حزيران (يونيو)
2004 قَدم تقرير إلى الكونغرس الأمريكي يتعلق بتجارة
البشر وشمل هذا التقرير 140 بلدا يعتقد بأن لديها عددا
مهما وبأشكال قاسية من ضحايا هذه التجارة. وقد صنفت
الدول إلى ثلاث رتب طبقا لدرجة استجابة الحكومة مع
معايير الحد الأدنى في الكفاح ضد هذه التجارة. وقد
احتفظت كل من البحرين والكويت ولبنان والسعودية
بالمرتبة الثانية بعد أن أزيلت من المرتبة الثالثة
وهذا يعود لجهودها المهمة للاستجابة لمعايير الحد
الأدنى . وهذا يوضح أن بعضا من دول مجلس التعاون
الخليجي بذلت جهودا أكثر في مكافحة تجارة البشر. ورغم
ذلك تظل دول المجلس المكان الأول الذي تتجه له هذه
التجارة. وتصبح إسرائيل بشكل متزايد هدفا شائعا لمثل
هذه التجارة. وذكرت التقارير أن نساء من مولدافيا
وروسيا وأوكرانيا ودول أخرى من الإتحاد السوفيتي
السابق يتم تهريبهن إلى إسرائيل لغرض الاستغلال الجنسي
التجاري . كذلك الأشخاص الباحثون عن عمل
تجري المتاجرة
بهم حيث يعملون في ظروف عمل إجباري ويتعرضون للإيذاء
الجسدي وأشكال عمل قاسية أخرى . الكثير من العمال
الأجانب ذوي الخبرة القليلة تحبس جوازاتهم وتغير عقود
عملهم ويعانون من عدم دفع رواتبهم لمدد مختلفة وبدرجات
مختلفة. وقد جلبت الشركات الإنشائية والمشاريع
التجارية الأخرى عمالا من الذكور من الصين وبلغاريا
إلى إسرائيل للعمل في ظروف مساوية للعبودية أو الأشغال
الشاقة غير الطوعيةْْ.
حتى العراق لم يسلم
من تجارة البشر. التقرير المقدم للكونغرس يبين أن هذه
التجارة من الممكن أخذت طريقها نتيجة الحرب حيث يرد
فيه:
يشهد العراق مؤشرات على
انبثاق مشكلات تجارة البشر. فوجود السكان النازحين
والنساء الأرامل وأخريات عرضة للإغراء وأطفال مفصولين
عن عائلاتهم أو أيتام يعتمدون على المساعدة الإنسانية
من أجل البقاء ،
كل هؤلاء يكونون مصدرا للعمل المستغًل أو الجنس. في
كثير من حالات ما بعد الحرب تًستغل العناصر المجرمة
انكسار حكم القانون ويأس العائلات المهددة ماديا حيث
يجري خطف وإجبار وخديعة الأشخاص للعمل في الدعارة .
وينتعش المتاجرون بالبشر أيضا في الحالات التي يضعف
فيها القانون. وهناك نقص في البنية التحتية فيما يخص
الخدمات والحماية التي من المفترض أن تقدم إلى
الضحايا. هذا النقص في الخدمات الطبية والإرشاد
والحماية من المحتمل أن يشجع زيادة وقوع الأشخاص
كضحايا لهذه التجارة. وكما رأينا في أماكن أخرى من
العالم يزداد الطلب على البغاء مع وجود القوات
الأجنبية والمغتربين (المنفيين) والموظفين الدوليين
الذين يتقاضون دخولا جيدة.
لسوء الحظ انتشار
الإعلان عن الخطف من أجل الفدية الذي ظهر إلى السطح
بعد نهاية العمليات العسكرية الرئيسية في ربيع 2003
بدأ يعطى مبررا للقلق الوارد في التقرير المذكور حيث
بدأت تكتب التقارير في ذات السنة عن العديد من حالات
الخطف من أجل المتاجرة بالإنسان.
وجلب انتباه
الإعلام خطف الكثير من العمال الأجانب في العراق وقتل
العديد منهم. هؤلاء العمال يرغبون أصلا بالبحث عن عمل
في البلاد ( رغم أن بعض الحكومات لأسباب أمنية لم تشجع
أو حتى منعت مواطنيها من البحث عن فرص العمل في
العراق).
وقد ذكرت التقارير
بأن هناك نمطا جديدا من التجارة بالعمالة المهاجرة
انبثق بشكل واضح بسبب الفوضى وارتخاء متطلبات الدخول
إلى العراق خلال المرحلة التي أعقبت الحرب. مواطنون من
بنغلاديش والهند والصومال ودول أخرى وعدوا بالعمل في
الأردن من قبل الوكلاء المحليين الأردنيين والذين
تقاضوا رسوما باهضة منهم . و بدلا من ذلك أخذوا عبر
الحدود إلى الصحراء العراقية وتركوا هناك ليعيلوا
أنفسهم. وطبقا لبعض التقارير الإعلامية فإن
1000 مهاجر على الأقل سقطوا ضحية هذا الاحتيال في مايس
(ماي) 2003 وحاولوا العبور ثانية إلى الأردن بعد شهور
قضوها في بغداد وأجزاء أخرى من العراق ( في بعض
الأوقات واجهوا حالة المواجهات العسكرية) بدون عمل
وغذاء ونقود أو وثائق سفر صالحة وتأشيرات دخول.
التجارة بالنساء من أجل
الاستغلال الجنسي
نمت في العقود
الأخيرة ظاهرة تجارة البشر لغرض الاستغلال الجنسي. حيث
يتم اجتذاب الكثير من النساء الشابات لهذا الغرض مع
الوعد بالكسب المادي السريع . على أية حال يقعن في
النهاية في وضعية تشبه العبودية حيث المبالغ المحصل
عليها تأخذ من قبل الرجال الوسطاء والوكلاء. ويتعرضن
لضغوط نفسية وجسدية إضافة للتهديد والخوف من انتقام
عائلاتهن في بلدان الأصل وهذه تكون وسائل شائعة تستخدم
من قبل تجار البشر للسيطرة على ضحاياهم. كذلك حجز
الجوازات وتذاكر السفر إضافة إلى عبودية الدَين هي
وسائل شائعة أخرى لممارسة السيطرة على النساء اللاتي
تم تهريبهن لأغراض تجارة الجنس. تدخل الضحية في عبودية
الدَين عندما يصبح عملها وسيلة لإعادة دفع الديون أو
المبالغ التي تدفع مقدما. ويمكن أن يدفع المشغلون
للرجال الوسطاء مقدما مبالغ تصل إلى 5000 دولارا لكل
عاملة. هذه المبالغ تخصم من قبل المشغل من راتب
العاملة حتى يصبح دفع التعويضات يستغرق سنوات عديدة.
إسرائيل مرة ثانية هي
البلد الذي سمح البحث فيه لفهم أوضح لظروف النساء
المهرَبات لغرض الاستغلال الجنسي حيث تشرح التقارير
وضعيتهن كما يلي:
يكابد الكثير منهن
الإكراه وتكرار الاغتصاب وتجري مصادرة وثائقهن ويبعن
في المزاد العلني . ويجبرن في الغالب على ممارسة
الدعارة بدون الحصول على أية مبالغ حتى يسددن ديونهن
الخاصة بالنقل والبيع. وفي حالات كثيرة يبعن إلى قواد
آخر ويجب عليهن في هذه الحالة إعادة الديون الجديدة.
ويهدد الكثير من النساء
إنه في حالة
لجوئهن إلى الشرطة سيتم سجنهن مدى الحياة باعتبارهن
مهاجرات غير شرعيات في إسرائيل. وبسبب عدم معرفتهن
بحقوقهن وباللغة يخشين
من عمل أي حركة يمكن أن تضعهن في ظروف أقسى. عدد منهن
ينتهي بهن
الأمر محتجزات
في شقق خاصة مع عدم وجود إمكانية للهروب وعدد منهن يبعن
مرة ثانية وثالثة من بيت دعارة إلى آخر حتى يستهلكن
ويصبحن عبئا
على مشغليهم
وفي النهاية يسلمن إلى الشرطة.
التجارة بالأطفال وأشكال
أخرى من التجارة
عدد مهم من الأطفال
تجري المتاجرة به سنويا من جنوب- شرق آسيا والسودان
إلى دول الخليج العربي للعمل كجوكي ( فارس يمتهن ركوب
الخيل أو الجمال ) في مسابقات الجمال الشعبية. وهذا
يعود إلى خفة وزن الأطفال في الأعمار الصغيرة حيث يجري
استخدامهم من عمر سنتين. تذكر التقارير أن هؤلاء
الأطفال إما أن يتم اختطافهم أو بيعهم من قبل
عائلاتهم. في معظم الحالات يباع الأطفال من قبل
عائلاتهم مقابل مبلغ قليل يصل إلى 75 دولارا أمريكيا
أحيانا لكن الشائع أكثر مقابل دفع مئات قليلة من
الدولارات شهريا لمدة سنة أو سنتين من الخدمة. في حين
يمكن أن يقبض المتاجرون بالأطفال 5000 دولارا عن كل
طفل.
استنادا للتقارير
الإعلامية يُحرم الأطفال المتاجر بهم إلى دول الخليج
لغرض فروسية الجمال (الجوكي) من تناول الطعام الكافي
ولا يسمح بزيادة وزنهم. ويعيشون في ظروف غير إنسانية
ويحشرون في غرف صغيرة وفي الغالب يجوعون قبل السباق
الكبير. معظم الأطفال الذين أعيدوا إلى عائلاتهم فشلوا
في تذكر أو التعرف على والديهم بسبب أن التجارة بهم
تتم بين عمر سنتين وخمس سنوات. الكثير منهم لم يتمكن
من الحديث بلغته الأم ولم يعرف ثقافته الأصلية وهذا
يعود إلى بقائهم فترة طويلة في دول الخليج. وقد واجهت
غالبية جوكي الجمال صدمات عاطفية حادة. وعندما يصبحون
أكبر سنا يعتقون
والكثير منهم يُرمى جانبا وفي الغالب يصبح من الأجانب
غير الشرعيين.
الشكل الثاني من
التجارة خصوصا في الشرق الأوسط يتمثل في الزواج
العرفي. طبقا للبحوث الإعلامية فأن عددا من مواطني دول
الخليج الأغنياء ( السعودية وقطر بالخصوص ) يتزوجون من
نساء شابات من الدول الإسلامية الأفقر مثل مصر أو من
المجتمعات الإسلامية في الدول الآسيوية مثل الهند. حيث
يدفع المهر إلى عائلة العروس والذي هو شكل من الدفع
المالي الشخصي . هذا النمط من عقد الزواج يمكن أن
ينتهي في أقل من أسبوع . ويزعم أنه
في كثير من الحالات تحصل العائلات على شهادة مزورة من
طبيب تبين أن بنتهم في العمر القانوني للزواج . هذه
الشهادة مطلوبة إما لكون الكثير من النساء الشابات
تحت العمر القانوني للزواج أو لم يُِسجلن عند الولادة
. وفي كل الأحوال فهن غير مرئيات من قبل المجتمع في
الأساس وغير مؤهلات للحماية القانونية الكاملة. وفي أي
وقت يمكن أن يجدن أنفسهن وبسرعة مطلقات يجبرن على
العمل في الأعمال اليدوية غير مدفوعة الأجر أو يجري
تزويجهن لشخص آخر بالوكالة. النساء الشابات يكن في
الغالب غير قادرات على الهروب للاتصال بعائلاتهن أو
حتى الوصول إلى الموظفين الدبلوماسيين. وسجلت أيضا
حالات يطلب فيها الكفيل من العمال المهاجرين العرب
الزواج من أخواتهم أو قريباتهم مقابل حصولهم على رخصة
العمل.
خلال عام 2004 أجرت
المنظمة الدولية للهجرة بحثا بعنوان " تقييم ميداني
لتجارة البشر في العراق". مشروع البحث هذا يهدف لدراسة
الوضعية الحالية لتجارة البشر خصوصا من النساء
والأطفال من وإلى العراق. وسوف يجمع المشروع معلومات
من المجموعات التي تتعامل مع الضحايا وأولئك الذين
يكونون عرضة لهذه التجارة. وسوف تؤشر الدراسة حجم
واتجاهات الهجرة بالبشر في السياق العراقي وتضع توصيات
وتنشر تقريرا حول هذا النوع من التجارة من وإلى العراق
وتساهم باتجاه تأسيس شبكة منظمات حكومية وغير حكومية.
تمثل العلاقة بين
تجارة البشر والفقر والظروف الاجتماعية العنصر الأساسي
في أي فهم لأسباب هذا النوع من التجارة. ويجب إعطاء
الأولوية للعلاج الممكن بدء
من مجتمعات الأصل. إضافة لذلك فإن الفجوة الثقافية بين
مجتمعات الأصل لضحايا هذه التجارة والمنطقة التي تكون
ساحة لها وهي في هذه الحالة دول إسلامية في الغالب وفي
بعض الحالات دول محافظة – هذه الفجوة تمثل عاملا يجب
أن لا يكون ناقص التقدير في أي بحث في هذا الموضوع.
* ترجمة بتصرف عن اللغة
الانكليزية من مجلة المنظمة الدولية للهجرة، المجلد 43
، عدد مزدوج 1-2 ، 2005 ،ص 267-293 .
International
Migration Vol. 43 (1/2) IOM, 2005, pp.267-271
|